ابن أبي شريف المقدسي
197
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
وإن قال به من أئمة المحققين أبو المظفر الأسفرايني « 1 » ؛ لأنه مخالف للنص الصريح ( قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكّروني » ) أخرجه الشيخان وغيرهما « 2 » ( وظاهر قوله ) صلى اللّه عليه وسلم : ( « إنما أنسّى لأسن » « 3 » أنه يورد عليه النسيان ) من قبل اللّه سبحانه وتعالى ( فيتصف به ، إلا أنه لا يقرّ عليه فيما هو أمر ديني ، بل ينبه ) فيكون ذلك النسيان سببا يترتب عليه بيان حكم شرعي يتعلق بالمنسي ، ف « أنسّى » : بتشديد السين مبني للمفعول ، معناه : يورد علي النسيان . و « لأسن » معناه : لأبين طريقا يسلك في الدين هو سبب لإيراد النسيان ، بمعنى أنه ثمرة يترتب على النسيان ، لا باعث على إيراده . ( ومنع المعتزلة الكبائر ) أي : صدورها من نبي ( قبل البعثة ) له ( أيضا للوجه الذي منعنا به الكفر قبلها ، وهو التنفير عنه وعدم الانقياد له ) . هذا كلام متعلق بالأفعال التي ليس طريقها الإبلاغ ، وهو منهي عنها ، ( وأما فيما طريقه الإبلاغ ) أي : إبلاغ الشرع وتقريره من الأقوال وما يجري مجراها من الأفعال ، كتعليم الأمة بالفعل ( فهم معصومون فيه من السهو والغلط ، وأما غير ذلك ) أي : ما ليس من القسمين السابقين ، كما يختص به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أمور دينهم وادّكار قلوبهم ونحوها ، مما يفعلونه لا ليتبعوا فيه ( فهم فيه كغيرهم من البشر ) في جواز السهو والغلط ، هذا الذي عليه أكثر العلماء ، خلافا لجماعة المتصوفة وطائفة من المتكلمين ، حيث منعوا السهو والنسيان والغفلات والفترات جملة في حق النبي صلى اللّه عليه وسلم « 4 » . ( قال القاضي أبو بكر ) : تفريعا على ما عليه الأكثر ( فيجوز ) أي : عقلا ( كونه ) أي : النبي صلى اللّه عليه وسلم ( غير عالم بشرائع من تقدّمه ) من الأنبياء ، ( و ) كونه ( غير
--> ( 1 ) أبو المظفر الأسفراييني : شهفور أو طيفور بن طاهر بن محمد الأسفراييني ، أبو المظفر . فقيه ، أصولي ، مفسر . من تصانيفه : التبصير في الدين ( معجم المؤلفين : 1 / 821 ) . وفي قوله هذا موافقة للمعتزلة الذين لا يجيزون شيئا من الخطأ والزلل والمعاصي ولا شيئا من المباحات المستخفة عليهم . انظر : أصول الدين ، ص 138 ، لجمال الدين بن سعيد . ( 2 ) هو حديث ابن مسعود المشار إليه نفسه . ( 3 ) رواه مالك في السهو 1 / 100 ، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي بقيت من الموطأ غير موصولة . قال ابن عبد البر : « لا أعلم هذا الحديث روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه » اه وهو حديث ضعيف إسناده معضل . ( 4 ) انظر : الشفاء ، للقاضي عياض ، 2 / 719 .